في صنعاء القديمة، لا يدخل الضوء إلى البيوت من النوافذ فحسب، بل يعبر أحياناً من خلال لوحات زجاجية ملونة ترسم على الجدران مشاهد من الجمال، وتمنح المكان روحاً لا تشبه سواه. إنها القمريات اليمنية؛ إحدى العلامات البصرية المميزة للعمارة التقليدية، وفنٌّ تتداخل فيه الحرفة اليدوية مع الحس الجمالي والذاكرة التاريخية.
فما إن تتأمل واجهات البيوت الصنعانية حتى تستوقفك تلك النوافذ ذات الأقواس والزخارف الدقيقة، بألوانها الزرقاء والخضراء والحمراء والصفراء، المحاطة بإطارات جصية بيضاء تنسجم مع لون الآجر والطين. وفي الداخل، يتحول الضوء المار عبرها إلى انعكاسات لونية تضفي على المجالس والغرف أجواءً دافئة ومميزة.
ما القمرية؟ ولماذا سُمّيت بهذا الاسم؟
القمرية عنصر معماري يُستخدم عادةً في الجزء العلوي من النافذة، ويأتي في أشكال دائرية أو نصف دائرية أو مقوسة، بحسب تصميم المبنى وطرازه. وترتبط تسميتها بالقمر وبفكرة الضوء، فيما يُنظر إليها اليوم بوصفها إحدى أبرز مفردات العمارة اليمنية التقليدية.
ولم تكن القمريات دائماً بالصورة الزجاجية الملونة التي نعرفها اليوم. فقد استُخدمت في بعض النماذج القديمة ألواح من الرخام الشفاف أو حجر الألباستر للسماح بمرور الضوء إلى داخل البيوت. ومع تطور تقنيات الصناعة وتوفر الزجاج الملون، ظهرت نماذج أكثر تنوعاً، استُخدم فيها الجص لتشكيل الإطارات والزخارف وتثبيت قطع الزجاج.
وهكذا تطورت القمرية من فتحة معمارية وظيفية إلى لوحة فنية تجمع بين الضوء واللون والهندسة.
القمرية.. جمال يؤدي وظيفة
لا تنحصر قيمة القمرية في مظهرها الخارجي؛ فهي تؤدي وظائف معمارية وجمالية متكاملة، من أهمها:
-
إدخال الضوء الطبيعي: تساعد على إنارة أجزاء من الغرف والمجالس، حتى عندما تكون النوافذ الخشبية السفلية مغلقة.
-
تحقيق الخصوصية: تسهم في الحد من الرؤية المباشرة إلى داخل المنزل، وفق تصميمها وموقعها.
-
إثراء المشهد الداخلي: توزع ألوان الزجاج على الجدران والأسطح، فتمنح الفراغات الداخلية طابعاً بصرياً متجدداً مع تغير الضوء.
-
تجميل الواجهات: تضيف إلى المبنى نقطة بصرية بارزة، خصوصاً عندما تتكامل مع الآجر والجص الأبيض والنوافذ الخشبية.
وتبرز عبقرية العمارة التقليدية في هذا الجمع بين الحاجة اليومية والجمال الفني؛ إذ لم يكن العنصر الزخرفي منفصلاً عن وظيفة المبنى، بل جزءاً من تصميمه المتكامل.
تتطلب صناعة القمرية مهارةً وصبراً ودقة في التعامل مع المواد. تبدأ العملية بتحديد الشكل والأبعاد والتصميم الزخرفي، ثم إعداد الإطار الجصي وتشكيل الفواصل التي ستحتضن قطع الزجاج.
بعد ذلك تُختار قطع الزجاج الملون وتُرتب وفق الرسم المطلوب، مع مراعاة التناسق بين الألوان ودقة توزيعها وثباتها داخل الإطار. وقد تتنوع التصاميم بين التكوينات الهندسية والأشكال النباتية والتوزيعات المتناظرة التي تتوسطها عناصر زخرفية بارزة.
ولا تعتمد جودة القمرية على جمال الرسم وحده؛ بل تتوقف أيضاً على دقة القياسات، ومتانة الإطار، وحسن تثبيت الزجاج، ومدى ملاءمة المواد المستخدمة لطبيعة المبنى والظروف المحيطة به.
إنها حرفة تجمع بين الحس الفني والمعرفة العملية، وتحتاج إلى نقل خبراتها من الحرفيين المتمرسين إلى الأجيال الجديدة حتى لا تتحول إلى مجرد صورة في كتب التراث.
القمريات في هوية صنعاء القديمة
تتميز صنعاء القديمة بنسيج عمراني فريد، تتجاور فيه البيوت متعددة الطوابق، وتتزين واجهاتها بالآجر المحروق والزخارف الجصية البيضاء والفتحات المعمارية المتنوعة. وقد أسهمت هذه العناصر في منح المدينة طابعها البصري المميز، الذي اعترفت اليونسكو بقيمته الاستثنائية عند إدراجها على قائمة التراث العالمي عام 1986.
وفي هذا المشهد، تحتل القمريات مكانة خاصة؛ لأنها تربط بين الواجهة الخارجية والفراغ الداخلي، وتمنح البيت شخصية يمكن تمييزها من بين المباني الحديثة.
كما تعكس القمريات جانباً من خبرة الحرفيين اليمنيين في استثمار المواد المتاحة، وتطوير أشكال زخرفية تتوافق مع العمارة المحلية. ولهذا لا ينبغي النظر إليها بوصفها قطعة زجاجية يمكن استبدالها بأي نافذة أخرى، بل عنصراً يحمل قيمة فنية وثقافية مرتبطة بالمبنى الذي يحتضنه.
ما الذي يهدد هذا الفن؟
يواجه فن القمريات تحديات عدة، أبرزها ارتفاع تكاليف الصيانة المتخصصة، وتراجع الإقبال على بعض الحرف التقليدية، واستبدال النوافذ التراثية بمواد حديثة مثل الألمنيوم، فضلاً عن الأضرار التي قد تصيب الزجاج والجص بفعل الإهمال أو الترميم غير الملائم. وقد تناولت تقارير صحفية هذه المخاوف، مشيرةً إلى الضغوط التي تواجه استمرار صناعة القمريات في اليمن.
وتتطلب حماية هذا الفن تشجيع الحرفيين، وتوثيق طرق التصنيع التقليدية، وتدريب جيل جديد على ممارستها، إلى جانب مساعدة أصحاب البيوت التاريخية على صيانة القمريات الأصلية وترميمها بطرق مناسبة.
كما يمكن للمؤسسات الثقافية والمهتمين بالتراث تنظيم معارض وورش عمل، وإنتاج مواد مرئية توضح مراحل الصناعة، بما يعزز الوعي بقيمة هذه الحرفة ويشجع على استمرارها.
خاتمة: نافذة على الماضي لا ينبغي أن تُغلق
ليست القمرية مجرد نافذة ملونة تزيّن بيتاً قديماً، بل حكاية من حكايات العمارة اليمنية، ونتيجة لتراكم الخبرة الفنية والحرفية عبر الأجيال. ففي ألوانها ينعكس الضوء، وفي زخارفها تظهر براعة الصانع، وفي حضورها على الواجهات تتجلى هوية صنعاء القديمة.
إن المحافظة على القمريات تعني حماية جزء من شخصية المدينة، وصون حرفة تستحق أن تستمر، ومنح الأجيال القادمة فرصة للتعرف على جمال العمارة اليمنية من مصادرها الأصلية.
فما أجمل أن يظل الضوء عابراً من هذه النوافذ، حاملاً ألوان التراث من جيل إلى جيل.