تنبيه صون التراث
الرئيسية الإبلاغ عن تشويه أو خطر التوعية والإرشادات المبادرات والأنشطة تواصل معنا
فن القمريات والزخارف الجصية • نُشر بتاريخ: 24 Oct, 2026

فن القمريات في صنعاء القديمة.. نوافذ يمرّ منها الضوء وتحكي حكاية التراث

بطاقة التوثيق الميداني

الحالة الإنشائية: سليمة وجيدة
فن القمريات في صنعاء القديمة.. نوافذ يمرّ منها الضوء وتحكي حكاية التراث

في صنعاء القديمة، لا يدخل الضوء إلى البيوت من النوافذ فحسب، بل يعبر أحياناً من خلال لوحات زجاجية ملونة ترسم على الجدران مشاهد من الجمال، وتمنح المكان روحاً لا تشبه سواه. إنها القمريات اليمنية؛ إحدى العلامات البصرية المميزة للعمارة التقليدية، وفنٌّ تتداخل فيه الحرفة اليدوية مع الحس الجمالي والذاكرة التاريخية.

فما إن تتأمل واجهات البيوت الصنعانية حتى تستوقفك تلك النوافذ ذات الأقواس والزخارف الدقيقة، بألوانها الزرقاء والخضراء والحمراء والصفراء، المحاطة بإطارات جصية بيضاء تنسجم مع لون الآجر والطين. وفي الداخل، يتحول الضوء المار عبرها إلى انعكاسات لونية تضفي على المجالس والغرف أجواءً دافئة ومميزة.

ما القمرية؟ ولماذا سُمّيت بهذا الاسم؟

القمرية عنصر معماري يُستخدم عادةً في الجزء العلوي من النافذة، ويأتي في أشكال دائرية أو نصف دائرية أو مقوسة، بحسب تصميم المبنى وطرازه. وترتبط تسميتها بالقمر وبفكرة الضوء، فيما يُنظر إليها اليوم بوصفها إحدى أبرز مفردات العمارة اليمنية التقليدية.

ولم تكن القمريات دائماً بالصورة الزجاجية الملونة التي نعرفها اليوم. فقد استُخدمت في بعض النماذج القديمة ألواح من الرخام الشفاف أو حجر الألباستر للسماح بمرور الضوء إلى داخل البيوت. ومع تطور تقنيات الصناعة وتوفر الزجاج الملون، ظهرت نماذج أكثر تنوعاً، استُخدم فيها الجص لتشكيل الإطارات والزخارف وتثبيت قطع الزجاج.

وهكذا تطورت القمرية من فتحة معمارية وظيفية إلى لوحة فنية تجمع بين الضوء واللون والهندسة.

القمرية.. جمال يؤدي وظيفة

لا تنحصر قيمة القمرية في مظهرها الخارجي؛ فهي تؤدي وظائف معمارية وجمالية متكاملة، من أهمها:

  • إدخال الضوء الطبيعي: تساعد على إنارة أجزاء من الغرف والمجالس، حتى عندما تكون النوافذ الخشبية السفلية مغلقة.

  • تحقيق الخصوصية: تسهم في الحد من الرؤية المباشرة إلى داخل المنزل، وفق تصميمها وموقعها.

  • إثراء المشهد الداخلي: توزع ألوان الزجاج على الجدران والأسطح، فتمنح الفراغات الداخلية طابعاً بصرياً متجدداً مع تغير الضوء.

  • تجميل الواجهات: تضيف إلى المبنى نقطة بصرية بارزة، خصوصاً عندما تتكامل مع الآجر والجص الأبيض والنوافذ الخشبية.

وتبرز عبقرية العمارة التقليدية في هذا الجمع بين الحاجة اليومية والجمال الفني؛ إذ لم يكن العنصر الزخرفي منفصلاً عن وظيفة المبنى، بل جزءاً من تصميمه المتكامل.

تتطلب صناعة القمرية مهارةً وصبراً ودقة في التعامل مع المواد. تبدأ العملية بتحديد الشكل والأبعاد والتصميم الزخرفي، ثم إعداد الإطار الجصي وتشكيل الفواصل التي ستحتضن قطع الزجاج.

بعد ذلك تُختار قطع الزجاج الملون وتُرتب وفق الرسم المطلوب، مع مراعاة التناسق بين الألوان ودقة توزيعها وثباتها داخل الإطار. وقد تتنوع التصاميم بين التكوينات الهندسية والأشكال النباتية والتوزيعات المتناظرة التي تتوسطها عناصر زخرفية بارزة.

ولا تعتمد جودة القمرية على جمال الرسم وحده؛ بل تتوقف أيضاً على دقة القياسات، ومتانة الإطار، وحسن تثبيت الزجاج، ومدى ملاءمة المواد المستخدمة لطبيعة المبنى والظروف المحيطة به.

إنها حرفة تجمع بين الحس الفني والمعرفة العملية، وتحتاج إلى نقل خبراتها من الحرفيين المتمرسين إلى الأجيال الجديدة حتى لا تتحول إلى مجرد صورة في كتب التراث.

القمريات في هوية صنعاء القديمة

تتميز صنعاء القديمة بنسيج عمراني فريد، تتجاور فيه البيوت متعددة الطوابق، وتتزين واجهاتها بالآجر المحروق والزخارف الجصية البيضاء والفتحات المعمارية المتنوعة. وقد أسهمت هذه العناصر في منح المدينة طابعها البصري المميز، الذي اعترفت اليونسكو بقيمته الاستثنائية عند إدراجها على قائمة التراث العالمي عام 1986.

وفي هذا المشهد، تحتل القمريات مكانة خاصة؛ لأنها تربط بين الواجهة الخارجية والفراغ الداخلي، وتمنح البيت شخصية يمكن تمييزها من بين المباني الحديثة.

كما تعكس القمريات جانباً من خبرة الحرفيين اليمنيين في استثمار المواد المتاحة، وتطوير أشكال زخرفية تتوافق مع العمارة المحلية. ولهذا لا ينبغي النظر إليها بوصفها قطعة زجاجية يمكن استبدالها بأي نافذة أخرى، بل عنصراً يحمل قيمة فنية وثقافية مرتبطة بالمبنى الذي يحتضنه.

ما الذي يهدد هذا الفن؟

يواجه فن القمريات تحديات عدة، أبرزها ارتفاع تكاليف الصيانة المتخصصة، وتراجع الإقبال على بعض الحرف التقليدية، واستبدال النوافذ التراثية بمواد حديثة مثل الألمنيوم، فضلاً عن الأضرار التي قد تصيب الزجاج والجص بفعل الإهمال أو الترميم غير الملائم. وقد تناولت تقارير صحفية هذه المخاوف، مشيرةً إلى الضغوط التي تواجه استمرار صناعة القمريات في اليمن.

وتتطلب حماية هذا الفن تشجيع الحرفيين، وتوثيق طرق التصنيع التقليدية، وتدريب جيل جديد على ممارستها، إلى جانب مساعدة أصحاب البيوت التاريخية على صيانة القمريات الأصلية وترميمها بطرق مناسبة.

كما يمكن للمؤسسات الثقافية والمهتمين بالتراث تنظيم معارض وورش عمل، وإنتاج مواد مرئية توضح مراحل الصناعة، بما يعزز الوعي بقيمة هذه الحرفة ويشجع على استمرارها.

خاتمة: نافذة على الماضي لا ينبغي أن تُغلق

ليست القمرية مجرد نافذة ملونة تزيّن بيتاً قديماً، بل حكاية من حكايات العمارة اليمنية، ونتيجة لتراكم الخبرة الفنية والحرفية عبر الأجيال. ففي ألوانها ينعكس الضوء، وفي زخارفها تظهر براعة الصانع، وفي حضورها على الواجهات تتجلى هوية صنعاء القديمة.

إن المحافظة على القمريات تعني حماية جزء من شخصية المدينة، وصون حرفة تستحق أن تستمر، ومنح الأجيال القادمة فرصة للتعرف على جمال العمارة اليمنية من مصادرها الأصلية.

فما أجمل أن يظل الضوء عابراً من هذه النوافذ، حاملاً ألوان التراث من جيل إلى جيل.

معرض الصور والوثائق المرفقة

صورة توثيقية
صورة توثيقية
صورة توثيقية
استكشف المزيد في نفس المجال

مواضيع ومعالم ذات صلة

عرض كافة محتويات القسم
القمريات والزخارف الجصية.. تناغم الضوء والجمال في واجهات صنعاء القديمة
2026/10/24

القمريات والزخارف الجصية.. تناغم الضوء والجمال في واجهات صنعاء القديمة

حين تتأمل أحد البيوت التقليدية في صنعاء القديمة، قد تجذبك أولاً ألوان القمرية الزجاجية، ثم تنتقل عيناك إلى الزخارف الجصية البيضاء التي تحيط بها، قبل أن تلاحظ كيف ينسجم الاثنان مع الآجر المحروق والنوافذ الخشبية وبقية تفاصيل الواجهة. إنه تناغم لا يقوم على المصادفة، بل على تصور معماري يجمع بين الضوء واللون والشكل والمواد، ويمنح البيت الصنعاني هويته البصرية المميزة. فالقمريات تمنح الواجهة ألوانها المضيئة، والزخارف الجصية ترسم حدودها وتبرز تفاصيلها، والآجر يمنح التكوين دفئه وتوازنه. ومن هذا التكامل نشأ أحد أجمل المشاهد المعمارية التي تميز صنعاء القديمة. القمرية والجص.. عنصران يكمل أحدهما الآخر تؤدي القمرية دوراً بصرياً ووظيفياً في المبنى، فهي تسمح بدخول الضوء وتضيف ألواناً إلى الفراغ الداخلي، بينما تعمل الزخارف الجصية على تحديد محيطها وإبراز شكلها وتوفير إطار زخرفي متناسق. ويظهر هذا التكامل بوضوح في النوافذ المقوسة؛ إذ يتناغم شكل القوس مع التكوين الزجاجي، وتمنح الخطوط الجصية البيضاء العين مساراً واضحاً لتتبع تفاصيل التصميم. وفي بعض النماذج، تتكرر الوحدات الهندسية داخل القمرية وعلى الإطار المحيط بها، فتبدو الزخرفة كأنها امتداد متصل بين الزجاج والجص. وفي نماذج أخرى، يعتمد التصميم على التباين، بحيث تكون القمرية غنية بالألوان بينما يظل الإطار الجصي أكثر هدوءاً وبساطة. وهذا التنوع يمنح واجهات البيوت التقليدية ثراءً بصرياً، من دون الحاجة إلى المبالغة في استخدام الزخارف. كيف يصنع الضوء جمال القمرية؟ تتغير ملامح القمرية مع تغير الضوء خلال اليوم. فعندما تمر أشعة الشمس عبر الزجاج الملون، تتشكل انعكاسات لونية على الأسطح الداخلية، تتبدل درجاتها وفق شدة الضوء واتجاهه وموضع النافذة. وقد تبدو بعض الألوان أكثر وضوحاً في أوقات معينة، فيما تتراجع حدتها في أوقات أخرى. وهكذا لا تكون القمرية مجرد عنصر ثابت في الواجهة، بل جزءاً من تجربة بصرية تتغير مع حركة الضوء. وتشير الدراسات المعنية بالعمارة اليمنية إلى أن القمريات والزجاج الملون ضمن الأطر الجصية أسهمت في إضاءة المجالس والفراغات الداخلية، ومنحتها تأثيرات لونية مميزة، مع دور في الحفاظ على الخصوصية بحسب تصميم الفتحات. أما الجص الأبيض، فيبرز حول القمرية ويحدد تفاصيلها، ويعزز التباين بين الألوان الزجاجية ولون الجدار والآجر المحيط. إنه تفاعل بين مادة صلبة ولون شفاف وضوء متغير، ينتج عنه مشهد لا يتكرر بالطريقة نفسها في كل لحظة. الآجر والجص والزجاج.. ثلاثية الجمال الصنعاني لا يكتمل فهم جمال القمريات والزخارف الجصية من دون النظر إلى علاقتهما ببقية مواد الواجهة، وفي مقدمتها الآجر المحروق. فاللون الترابي للآجر يشكل خلفية دافئة، بينما تضيف الزخارف البيضاء خطوطاً واضحة تفصل العناصر وتحدد حدودها، وتأتي ألوان القمرية لتمنح الواجهة نقاطاً مضيئة تجذب الانتباه. وتؤكد اليونسكو أن هذا الجمع بين المباني الطينية والآجر المحروق والزخارف الهندسية والجص الأبيض يمثل سمة بارزة في المشهد العمراني لصنعاء القديمة. ولا تكمن روعة هذا الأسلوب في المواد وحدها، بل في طريقة استخدامها وتوزيعها. فالتوازن بين المساحات المزخرفة والسطوح الهادئة، وبين الفتحات والجدران، وبين الألوان الدافئة والباردة، يجعل الواجهة غنية بالتفاصيل من دون أن تفقد وحدتها البصرية. ومن هنا يمكن فهم سر تميز البيت الصنعاني؛ إذ تتكامل عناصره لتشكيل صورة واحدة، بدلاً من أن تعمل كل قطعة بمعزل عن الأخرى. واجهات تحكي هوية المكان ليست واجهات صنعاء القديمة مجرد واجهات للمباني، بل جزء من ذاكرة المدينة وتاريخها العمراني. فهي تكشف عن تقاليد البناء المحلية، وعن طرق استخدام المواد، وعن الذوق الذي تشكل عبر أجيال من الحرفيين والسكان. وعندما تتكرر القمريات والأقواس والزخارف الجصية في البيوت المتجاورة، ينشأ انسجام بصري يربط المباني ببعضها ويمنح الأزقة شخصيتها الخاصة. ومع ذلك، لا يعني هذا الانسجام أن جميع البيوت متطابقة؛ فاختلاف أحجام النوافذ، وتوزيع الزخارف، وأشكال القمريات، ودرجة كثافة التفاصيل، يمنح كل واجهة ملامح تميزها عن غيرها. وهنا تظهر أهمية التعامل مع كل مبنى تاريخي بوصفه عملاً معمارياً له خصائصه، لا مجرد نموذج يمكن نسخه أو إعادة تشكيله بلا دراسة. التحديات التي تهدد هذا التناغم المعماري قد يتعرض هذا التناغم للتشويه عندما يُستبدل الزجاج الملون بنوافذ حديثة لا تتوافق مع التصميم الأصلي، أو تُغطى الزخارف الجصية، أو يُستخدم طلاء غير ملائم، أو تُجرى تعديلات تغير نسب الفتحات وتوزيعها. كما قد يؤدي تأخر الصيانة إلى تلف الجص أو تساقط أجزاء منه، أو تضرر الإطارات التي تثبت الزجاج، فيفقد المبنى بعض تفاصيله الأصلية. وتواجه الحرف التقليدية أيضاً تحديات مرتبطة بارتفاع تكاليف العمل المتخصص، وصعوبة توفير بعض المواد المناسبة، وتراجع نقل المهارات بين الأجيال. وتزداد أهمية هذه التحديات في مدينة تتمتع بقيمة تراثية عالمية، لكنها تواجه ضغوطاً عمرانية واجتماعية تؤثر في أصالة نسيجها التاريخي. ولذلك، فإن الحفاظ على الواجهة لا يتحقق بترميم عنصر واحد فقط؛ بل يحتاج إلى رؤية شاملة تراعي القمرية والجص والآجر والخشب، وتدرس العلاقة بين جميع هذه المكونات. كيف نحمي جمال الواجهات الصنعانية؟ يمكن حماية هذا التراث من خلال مجموعة من الخطوات العملية: توثيق الواجهات: تصويرها بدقة وتسجيل أبعادها وأشكال زخارفها وألوانها قبل أي أعمال ترميم. صيانة العناصر الأصلية: إصلاح القمريات والزخارف الجصية المتضررة بمواد وأساليب تتناسب مع طبيعة البناء. تجنب التعديلات العشوائية: عدم إزالة العناصر التقليدية أو استبدالها من دون دراسة أثر ذلك على القيمة التراثية. دعم الحرفيين: تشجيع صناعة القمريات وأعمال الجص التقليدي، وتوفير فرص التدريب ونقل الخبرات. نشر الوعي: تعريف السكان والمالكين والزوار بأهمية التفاصيل المعمارية، ودورها في الحفاظ على الهوية البصرية للمدينة. كما أن توثيق المباني التراثية لا ينبغي أن يقتصر على الصور الجميلة؛ بل يستحسن أن يشمل وصف المواد وتقنيات التنفيذ وحالة العناصر المعمارية، حتى تصبح المعلومات أساساً يمكن الرجوع إليه عند الصيانة والترميم. خاتمة: حين تتحد الألوان والزخارف لتصنع هوية مدينة إن القمريات والزخارف الجصية ليستا مجرد تفصيلين في واجهة البيت الصنعاني، بل مثال على قدرة العمارة التقليدية على تحويل الاحتياجات اليومية إلى تجربة جمالية متكاملة. فالقمرية تمنح الضوء لونه، والزخارف الجصية تمنح النافذة إطارها الفني، والآجر يربط هذه العناصر بلون الأرض ودفء المواد المحلية. ومن اجتماعها تنشأ واجهات تحمل ملامح صنعاء القديمة، وتكشف عن خبرة حرفية وجمالية تستحق أن تُصان. إن حماية هذا التناغم تعني الحفاظ على جزء من الذاكرة اليمنية، وعلى تقاليد بناء لا يمكن تعويضها بمجرد تقليد شكلها الخارجي. ففي صنعاء القديمة، لا تحكي الواجهة قصة بيت واحد فحسب؛ بل تحكي قصة مدينة صاغت هويتها من الضوء والجص والآجر، وتركت للأجيال إرثاً يستحق أن يبقى نابضاً بالحياة.

قراءة التوثيق
الزخارف الجصية في العمارة الصنعانية.. إبداع أبيض ينقش هوية المكان
2026/10/24

الزخارف الجصية في العمارة الصنعانية.. إبداع أبيض ينقش هوية المكان

في واجهات صنعاء القديمة، يتجاور لون الآجر الدافئ مع بياض الزخارف الجصية في مشهد معماري يأسر العين بتفاصيله الدقيقة. خطوط هندسية متداخلة، وأقواس تحيط بالنوافذ، ونقوش تتكرر بإيقاع متناسق، وكأن أيدي الحرفيين رسمت على الجدران لوحات فنية بقيت شاهدة على مهارة الإنسان اليمني وذائقته الجمالية. إنها الزخارف الجصية، أحد المكونات المهمة للهوية المعمارية الصنعانية، وفن يتجاوز حدود التزيين ليكشف عن معرفة متوارثة بخصائص المواد، وأساليب التشكيل، والعلاقة بين البناء والزخرفة. وفي المدينة القديمة، حيث تتعالى البيوت متعددة الطوابق وتتقارب واجهاتها على امتداد الأزقة، تمنح هذه الزخارف كل مبنى شخصيته الخاصة، مع الحفاظ على الانسجام العام الذي يميز النسيج العمراني للمدينة. ما الزخارف الجصية؟ وكيف دخلت في العمارة اليمنية؟ الجص مادة معدنية تُجهّز وتُستخدم في البناء والتشكيل والزخرفة. وقد أتاح قابليتها للتشكيل بعد إعدادها للحرفيين تنفيذ تفاصيل دقيقة يصعب تحقيقها بالمواد الأكثر صلابة. وفي صنعاء القديمة، يظهر الجص الأبيض في إطارات النوافذ، وحول القمريات، وفي التكوينات الزخرفية التي تتخلل واجهات البيوت. ويتكامل حضوره مع الآجر المحروق والطين والحجر، مكوّناً تبايناً بصرياً أصبح من أبرز علامات العمارة التقليدية في المدينة. ولا يمكن اختزال هذا الفن في شكل واحد أو نمط ثابت؛ إذ تتنوع الزخارف بحسب موضعها في المبنى، وحجم المساحة المراد تزيينها، وطبيعة التصميم، ومهارة الحرفي الذي ينفذه. أبرز أنواع الزخارف الجصية 1. الزخارف الهندسية تقوم على الخطوط المستقيمة والأقواس والمضلعات والأشكال المتكررة، وتتميز بالتوازن والتناظر والدقة. وتمنح هذه التكوينات الواجهات إيقاعاً بصرياً منظماً، خصوصاً عندما تتكرر حول النوافذ أو ضمن الأشرطة الزخرفية. 2. الزخارف النباتية تستلهم أشكالها من الأوراق والأغصان والزهور والتكوينات المتشابكة. وتمنح الأسطح طابعاً أكثر انسيابية، حيث تتداخل الخطوط المنحنية في تكوينات متوازنة تتلاءم مع الأقواس وإطارات الفتحات. 3. الزخارف المحيطة بالقمريات والنوافذ تبرز هذه الزخارف حدود الفتحات المعمارية وتؤكد شكل القوس أو الإطار. ويزداد جمالها عندما تتكامل مع ألوان الزجاج داخل القمرية ولون الآجر المحيط بها، فتبدو النافذة كأنها لوحة متكاملة. وتختلف هذه الأنماط في طريقة تشكيلها ودرجة بروزها وكثافتها؛ كما قد تجتمع أكثر من طريقة زخرفية في الواجهة الواحدة، وفق التصميم المعماري وتقاليد التنفيذ المحلية. كيف تتحول مادة الجص إلى تحفة فنية؟ تبدأ صناعة الزخارف الجصية بفهم السطح الذي ستُنفذ عليه، وتحديد الأبعاد والشكل المطلوب. ثم تُجهز المادة بما يتناسب مع أسلوب العمل، ويبدأ الحرفي في تشكيلها أو حفرها أو تثبيتها وفق التصميم. وتتطلب هذه العملية دقة في التعامل مع الزوايا والمنحنيات، وقدرة على تكرار الوحدات الزخرفية من دون الإخلال بالتناسق. وفي بعض الأعمال، تكون الفواصل بين العناصر هي التي تصنع جمال النقش، بينما يعتمد جمال أعمال أخرى على بروز أجزاء محددة وتراجع أجزاء أخرى. وتكمن براعة الحرفي في تحقيق توازن بين التفاصيل الصغيرة والشكل العام، بحيث تبدو الزخرفة واضحة عند الاقتراب منها، ومنسجمة مع الواجهة عند النظر إليها من مسافة. إنها مهارة لا تُكتسب بالمعرفة النظرية وحدها؛ بل تحتاج إلى ممارسة وتدريب وخبرة في خصائص المواد وأساليب تنفيذها وصيانتها. لماذا تتميز الزخارف الجصية في صنعاء القديمة؟ يعود جانب كبير من جمال الواجهات الصنعانية إلى التفاعل بين مواد البناء وألوانها وتفاصيلها. فبياض الجص يبرز فوق الآجر المحروق، بينما تحدد الأقواس والإطارات شكل النوافذ وتمنح الواجهة عمقاً بصرياً. وتؤكد اليونسكو أن البيوت متعددة الطوابق في صنعاء القديمة تتميز باستخدام الطين والآجر المحروق، مع زخارف هندسية من الآجر والجص الأبيض، في تكوين معماري يعكس مهارة استثنائية في استخدام المواد والتقنيات المحلية. ولا يقتصر جمال هذه الزخارف على المبنى منفرداً؛ فهي تسهم أيضاً في توحيد المشهد البصري للحارة، إذ تتجاوب الأنماط والألوان بين البيوت المتجاورة، من دون أن تفقد كل واجهة تفاصيلها المميزة. التحديات التي تواجه هذا الفن رغم أهميته، فإن فن الزخارف الجصية معرض للتراجع عندما تتقلص فرص العمل أمام الحرفيين، أو تُستبدل العناصر التقليدية بمواد حديثة، أو تُنفذ أعمال صيانة من دون معرفة بطبيعة البناء الأصلي. ومن أبرز التحديات: تلف التفاصيل الدقيقة: فقد تتعرض الزخارف للتآكل أو التشقق نتيجة الرطوبة وتسرب المياه وتقادم المواد. الترميم غير المتخصص: قد يؤدي استخدام مواد غير متوافقة مع الجص التقليدي إلى إضعاف التماسك أو تغيير مظهر النقوش. تراجع نقل المهارات: عندما يقل عدد المتدربين والحرفيين، تصبح بعض تقنيات التنفيذ أقل انتشاراً. التعديلات غير الملائمة: قد تؤدي إزالة الزخارف أو تغطيتها أو تغيير تصميم الواجهة إلى فقدان عناصر أصيلة من المبنى. ولذلك، فإن حماية الزخارف لا تتحقق بمجرد إعادة طلائها باللون الأبيض؛ بل تتطلب فحص حالتها، وفهم طريقة تنفيذها، وتحديد المواد المناسبة لإصلاحها، والمحافظة على تفاصيلها الأصلية قدر الإمكان. كيف نحافظ على الزخارف الجصية للأجيال القادمة؟ تبدأ الحماية بالتوثيق الدقيق، من خلال تصوير الزخارف وقياسها وتسجيل مواضعها، ثم تقييم حالتها بواسطة متخصصين في ترميم المباني التاريخية. كما ينبغي تشجيع الحرفيين على مواصلة ممارسة هذه المهنة، وتنظيم ورش تدريبية تنقل الخبرات التقليدية إلى الأجيال الجديدة. ويمكن للمؤسسات الثقافية والجهات المعنية بالتراث دعم هذه الجهود عبر برامج توعية ومشروعات ترميم موثقة. ومن المهم كذلك تعريف السكان بأن الزخارف الجصية ليست إضافات تجميلية يمكن الاستغناء عنها بسهولة، وإنما مكونات أصيلة تسهم في القيمة التاريخية والفنية للبيت الصنعاني. خاتمة: بياض الجص.. ذاكرة لا تُكتب بالحبر تحكي الزخارف الجصية في صنعاء القديمة قصة فن صنعه الحرفيون بأيديهم، وطوروه عبر الخبرة والممارسة، حتى أصبح جزءاً من شخصية المدينة وملامحها المعمارية. ففي كل قوس دقة، وفي كل نقش مهارة، وفي كل واجهة تتعانق فيها الزخارف البيضاء مع الآجر حكاية عن ذوق جمالي استطاع أن يحول مواد البناء المحلية إلى فن باقٍ. إن صون الزخارف الجصية ليس حفاظاً على جمال الواجهات فحسب، بل حماية لمهارات إنسانية ومعرفة معمارية تستحق أن تنتقل من جيل إلى جيل، وأن تبقى حاضرة في بيوت صنعاء القديمة وشوارعها.

قراءة التوثيق
فن القمريات الصنعانية: هندسة الضوء واللون بالجبس والزجاج البلدي
2026/10/23

فن القمريات الصنعانية: هندسة الضوء واللون بالجبس والزجاج البلدي

تعد القمرية الصنعانية عنصراً معمارياً ووظيفياً أصيلاً ينفرد به الطراز اليمني؛ حيث تعلو النوافذ الخشبية المستطيلة لتمنح المبنى إضاءة طبيعية دائمة حتى عند إغلاق النوافذ السفلية للخصوصية. تُصنع القمرية بحرفية يدوية شاقة باستخدام الجص البلدي الطري، حيث يقوم الحِرفي بنحت زخارف هندسية ونباتية دقيقة (أشكال الأغصان، النجوم، الدوائر الإسلامية المتداخلة) قبل جفافه، ثم يثبت خلفه رقائق الزجاج الملون بألوانه الأربعة التقليدية: الأحمر، الأزرق، الأخضر، والأصفر.

قراءة التوثيق